فصل: حكمة التحريم بالمصاهرة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فقه السنة



.حكمة التحريم بالمصاهرة:

وحكمة تحريم المحرمات بالمصاهرة أن بنت الزوجة وأمها أولى بالتحريم، لأن زوجة الرجل شقيقة روحه، بل مقومة ماهيته الإنسانية ومتممتها.
فينبغي أن تكون أمها بمنزلة أمه في الاحترام.
ويقبح جدا أن تكون ضرة لها فإن لحمة المصاهرة كلحمة النسب.
فإذا تزوج الرجل من عشيرة صار كأحد أفرادها، وتجددت في نفسه عاطفة مودة جديدة لهم.
فهل يجوز أن يكون سببا للتغاير والضرار بين الأم وبنتها؟ كلا.
إن ذلك ينافي حكمة المصاهرة والقرابة ويكون سبب فساد العشيرة.
فالموافق للفطرة، الذي تقوم به المصلحة، هو أن تكون أم الزوجة كأم الزوج، وبنتها التي في حجره كبنته من صلبه.
وكذلك ينبغي أن تكون زوجة ابنه بمنزل ابنته، ويوجه إليها العاطفة يالتي يجدها لبنته، كما ينزل الابن امرأة أبيه منزلة أمه.
وإذا كان من رحمة الله وحكمته أن حرم الجمع بين الاختين وما في معناهما لتكون المصاهرة لحمة مودة غير مشوبة بسبب من أسباب الضرار والنفرة، فكيف يعقل أن يبيح نكاح من هي أقرب إلى الزوجة، كأمها أو بنتها، أو زوجة الوالد للولد، وزوجة الولد للوالد؟ وقد بين لنا أن حكمة الزواج هي سكون نفس كل من الزوجين إلى الآخره، والمودة والرحمة بينهما وبين من يلتحم معهما بلحمة النسب فقال: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}.
فقيد سكون النفس الخاص بالزوجية، ولم يقيد المودة والرحمة، لأنها تكون بين الزوجين ومن يلتحم معهما بلحمة النسب، وتزداد وتقوى بالولد. اه.

.المحرمات مؤقتا:

.1- الجمع بين المحرمين:

يحرم الجمع بينا الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، كما يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابة، لو كانت إحداهما رجلا لم يجزله التزوج بالاخرى.
ودليل ذلك:
1- قول الله تعالى: {وأن تجمعوا بين الاختين إلاما قد سلف}.
2- وما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها».
3- وما رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وحسنه، عن فيروز الديلمي أنه أدركه الإسلام وتحته أختان.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طلق أيتهما شئت».
4- عن ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج الرجل المرأة على العمة أو على الخالة وقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم». قال القرطبي: ذكره أبو محمد الاصيلي في فوائده، وابن عبد البر، وغيرهما.
5- ومن مراسيل بي داود، عن حسين بن طلحة، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على أخواتها مخافة القطيعة.
وفي حديث ابن عباس، وحسين بن طلحة التنبيه على المعنى الذي من أجله حرم هذا الزواج، وهو الاحتراز عن قطع الرحم بين الاقارب، فان الجمع بينهما يولد التحاسد ويجر الى البغضاء، لأن الضرتين قلما تسكن عواصف الغيرة بينهما.
وهذا الجمع بين المحارم كما هو ممنوع في الزواج فهو ممنوع في العدة.
فقد أجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا رجعيا فلا يجوز له أن يتزوج أختها، أو أربعا سواها حتى تنقضي عدتها، لأن الزواج قائم وله حق الرجعة في أي وقت.
واختلفوا فيما إذا طلقها طلاقا بائنا لا يملك معه رجعتها.
فقال علي، وزيد بن ثابت، ومجاهد، والنخعي، وسفيان الثوري، والأحناف وأحمد: ليس له أن يتزوج أختها ولا أربعة حتى تنقضي عدتها، لأن العقد أثناء العدة باق حكما حتى تنقضي، بدليل أن لها نفقة العدة.
قال ابن المنذر،: ولا أحسبه إلا قول مالك، وبه نقول، أن له أن يتزوج أختها أو أربعا سواها.
وقال سعيد بن المسيب، والحسن، والشافعي: لأن عقد الزواج قد انتهى بالبينونة، فلم يوجد الجمع المحرم.
ولو جمع رجل بين المحرمات فتزوج الاختين مثلا، فاما أن يتزوجهما بعقد واحد أو بعقدين، فان تزوجهما بعقد واحد وليس بواحدة منهما مانع فسد عقده عليهما، وتجري على هذا العقد أحكام الزواج الفاسد.
فيجب الافتراق عن المعاقدين، وإلا فرق بينهما القضاء.
وإذا حصل التفريق قبل الدخول فلا مهر لواحدة منهما، ولا يترتب على مجرد هذا العقد أثر.
وان حصل بعد الدخول فللمدخول بها مهر المثل، أو الاقل من مهر المثل، والمسمى.
ويترتب على الدخول بها سائر الآثار التي تترتب على الدخول بعد الزواج الفاسد.
أما إذا كان باحداهما مانع شرعي، بأن كانت زوجة غيره، أو معتدته مثلا، والاخرى ليس بها مانع، فان العقد بالنسبة للخالية من المانع صحيح، وبالنسبة للأخرى فاسد تجري عليه أحكامه.
وإن تزوجهما بعقدين متعاقبين، واستوفى كل واحد من العقدين أركانه وشروطه، وعلم أسقهما فهو الصحيح، واللاحق فاسد.
وان استوفى أحدهما فقط شروط صحته فهو الصحيح سواء كان السابق أو اللاحق.
وان لم يعلم أسبقهما، أو علم ونسي، كأن يوكل رجلين بتزويجه فيزوجانه من اثنتين، ثم يتبين أنهما أختان، ولا يعلم أسبق العقدين، أو علم ونسي، فالعقدان غير صحيحين لعدم المرجح، وتجري عليهما أحكام الزواج الفاسد.

.2 و3- زوجة الغير ومعتدته:

يحرم على المسلم أن يتزوج زوجة الغير، أو معتدته رعاية لحق الزوج، لقول الله تعالى: {والمحصنات من النساء يإلا ما ملكت أيمانكم}.
أي حرمت عليكم المحصنات من النساء، أي المتزوجات منهن إلا المسبيات، فان المسبية تحل لسابيها بعد الاستبراء، وإن كانت متزوجة، لما رواه مسلم وابن أبي شيبة، عن أبي سعيد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه سولم بعث جيشا الى لوطاس، فلقي عدوا فقاتلوهم، فظهروا عليهم وأصابوا سبايا، وكان ناس من أصحاب رسول الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله عز وجل في ذلك: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن، والاستبراء يكون بحيضة.
قال الحسن: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبرئون المسبية بحيضة، وأما المعتدة فقد سبق الكلام عليها في باب الخطبة.

.4- المطلقة ثلاثا:

المطلقة ثلاثا لا تحل لزوجها الأول حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا.

.5- عقد المحرم:

يحرم على المحرم، أن يعقد النكاح لنفسه أو لغيره بولاية، أو وكالة، ويقع العقد باطلا، لاتترتب عليه آثاره الشرعية.
لما رواه مسلم وغيره، عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب» رواه الترمذي وليس فيه ولا يخطب.
وقال حديث حسن صحيح.
والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وبه يقول الشافعي، وأحمد، واسحق، ولا يرون أن يتزوج المحرم، وإن نكح فنكاحه باطل، وما ورد من أن النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة، لأنه صلى الله عليه وسلم تزوجها في طريق مكة وذهب الأحناف إلى جواز عقد النكاح للمرحم.
لان الاحرام لايمنع صلاحية المرأة للعقد عليه، وإنما يمنع صحية الجماع لاصحية العقد.

.6- زواج الأمة مع القدرة على الزواج بالحرة:

اتفق العلماء على أنه يجوز للعبد أن يتزوج الأمة، وعلى أنه يجوز للحرة أن تتزوج العبد إذا رضيت بذلك هي وأولياؤها كما اتتفقوا على أنه لا يجوز أن تتزوج من ملكته، وأنه إذا ملكت زوجها انفسخ النكاح.
واختلفوا في زواج الحر بالأمة.
فرأي الجمهور أنه لا يجوز زواج الحر بالأمة إلا بشرطين: أولهما عدم القدرة على نكاح الحرة.
وثانيهما خوف العنت.
واستدلوا على هذا بقول الله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات}.
إلى قوله تعالى: {ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم}.
قال القرطبي: الصبر على العزبة خير من نكاح الأمة، لأنه يفضي إلى إرقاق الولد، والغض من النفس، والصبر على مكارم الاخلاق أولى من البذالة روي عن عمر أنه قال: أيما حر تزوج أمة فقد أرق نصفه وعن الضحاك بن مزاحم قال سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر» رواه ابن ماجه، وفي إسناده ضعف.
وذهب أبو حنيفة إلى أن للحر أن يتزوج أمة، ولو مع طول حرة، إلا أن يكون تحته حرة.
فان كان في عصمته زوجة حرة حرم عليه أن يتزوج عليها محافظة على كرامة الحرة.

.7- زواج الزانية:

لا يحل للرجل أن يتزوج بزانية، ولا يحل للمرأة أن تتزوج بزان، إلا أن يحدث كل منهما توبة.
ودليل هذا:
1- أن الله جعل العفاف شرطا يجب توفره في كل من الزوجين قبل الزواج.
فقال تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتو الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان}.
أي أن الله كما أحل الطيبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى، أحل زواج العفيفات من المؤمنات، والعفيفات من أهل الكتاب، في حال كون الازواج أعفاء غير مسافحين ولا متخذي أخدان.
2- وذكر ذلك في زواج الإماء عند العجز عن طول الحرة فقال: {فالنكحوهن باذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخذان}.
3- يؤيد هذا ما جاء صريحا في قول الله تعالى: {الزاني لا ينكح الا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين}.
ومعنى ينكح: يعقد.
وحرم ذلك، أي وحرم على المؤمنين أن يتزوجوا من هو متصف بالزنا أو بالشرك، فانه لا يفعل ذلك إلا زان أو مشرك.
4- ما رواه عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الاسارى بمكة، وكان بمكة يبغي يقال لها عناق، وكانت صديقته.
قال: فجئت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أأنكح عناقا؟ قال: فسكت عني.
فنزلت: {والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك}.
فدعاني فقرأها علي وقال: {لا تنكحها} رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
5- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله» رواه أحمد وأبو داود.

قال الشوكاني: هذا الوصف خرج مخرج الغالب باعتبار من ظهر منه الزنا.
وفيه دليل على أنه لا يحل للرجل أن يتزوج بمن ظهر منها الزنا.
وكذلك لا يحل للمرأة أن تتزوج بمن ظهر منه الزنا.
ويدل على ذلك الآية المذكورة في الكتاب الكريم، لأن في آخرها: {وحرم ذلك على المؤمنين} فانه صريح في التحريم.

.الزنا والزواج:

وثمة فرق كبير بين الزواج، والعملية التناسلية، فان الزواج هو نواة المجتمع، وأصل وجوده، وهو القانون الطبيعي الذي يسير العالم على نظامه، والسنة الكونية التي تجعل للحياة قيمة وتقديرا.
وأنه هو الحنان الحقيقي والحب الصحيح، وهو التعاون في الحياة والاشتراك في بناء الاسرة وعمار العالم.
غاية الإسلام من تحريم نكاح الزنا: والإسلام لم يرد للمسلم أن يلقى بين أنياب الزانية، ولا للمسلمة أن تقع في يد الزاني، وتحت تأثير روحه الدنيئة، وأن تشاركه تلك النفس السقيمة، وأن تعاشر ذلك الجسم الملوث بشتى الجراثيم، المملوء بمختلف العلل والأمراض.
والإسلام - في كل أحكامه وأوامره وفي كل محرماته ونواهيه - لا يريد غير إسعاد البشر والسمو بالعالم الى المستوى الاعلى الذي يريد الله أن يبلغه الجنس البشري.
الزناة ينبوع لاخطر الأمراض:
وكيف يسعد الزناة في دنياهم وهم ينبوع لاخطر الأمراض وأشدها فتكا بهم، وأكثرها تغلغلا في جميع أعضائهم؟!! ولعل الزهري والسيلان من الأمراض التناسلية التي تجعل - وحدها - الزناة شرا مستطيرا يجب اقتلاعه من العالم وخلعه من الأرض.
وكيف تسعد انسانية فيها مثل هؤلاء الزناة ينقلون أمراضهم النفسية إلى نسلهم، وينقلون مع هذه الأمراض النفسية أمراض الزهري الوراثي؟ بل كيف تسعد عائلة تلد أطفالا مشوهي الخلق والخلق بسبب الالتهابات التي تصيب الاعضاء التناسلية، والعلل التي تطرأ عليها.
وجه الشبه بين الزناة والمشركين: والمسلم المتأدب بأدب القرآن الكريم، المتبع لسنة أفضل الخلق سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يمكن أن يعيش مع زانية لا تفكر تفكيره، ولا يستطيع أن يعاشر امرأة لاتحيى حياته المستقيمة، ولا يستطيع الارتباط برابطة الزواج مع كائنة لا تشعر شعوره، وهو يعلم أن الله تعالى قال عن الزواج: {خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}.
فأين المودة التي تحصل بين المسلم والزانية؟ وأين نفس الزانية من تلك النفس التي تسكن إليها نفس المؤمن الصحيح الايمان؟.
وأن المسلم الذي لايستطيع نكاح الزانية - كما بينا لفساد نفسها وشذوذ عاطفتها - لا يمكن كذلك أن يعيش مع مشركة لا تعتقد اعتقاده، ولا تؤمن إيمانه، ولا ترى في الحياة ما يراه. لا تحرم ما يحرمه عليه دينه من الفسق والفجور. ولا تعترف بالمبادئ الإنسانية السامية التي ينص عليها الإسلام. لها عقيدتها الضالة واعتقاداتها الباطلة. لها التفكير البعيد عن تفكيره، والعقل الذي لايمت الى عقله بصلة.
ولذلك قال الله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولامة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون}.